منطقة السرين, اليمن- طائرة أمريكية بلا طيار حلقت فوق مجموعة من المنازل المبنية من الطين, تقع على حافة إحدى المرتفعات حسب مسئولين يمنيين, واستهدفت عدنان القاضي، الرجل الزئبقي الذي بإمكانه تقمص مظاهر متعددة، فقد كان متشددا ووسيط سلام وداعية للعنف بالإضافة إلى كونه ضابطا في الجيش.
وقال قرويون أن عدنان القاضي خرج من سيارته مساء الـ7 من نوفمبر لإجراء مكالمة بهاتفة الخليوي قبيل استهدافه بصاروخ خلال وقت قصير. بوجه واسع يطل من تحت قبعة عسكرية حمراء ورتب مثبتة على كتفيه، تظهر صورته معلقة الآن في بقالة صغيرة حيث يعمل مزارعون في مزارع صغيرة أسفل فلل ,يملكها سياسيين ومشايخ قبليين والرئيس السابق, منتصبة كالقلاع على قمم تلال قريبة.
البعض هنا يقولون أن القاضي شهيدا، والبعض الآخر يقول أنه أصولي متعصب. لكن حياة وموت عدنان القاضي، وهو ضابط كبير في الفرقة الأولى مدرع والذي يدعو في المساجد للحرب المقدسة ، تجسد عدم الاستقرار السياسي والتآمر القبلي والولاءات المتقاطعة والمشاعر الإسلامية المتطرفة التي يجب على الولايات المتحدة التعامل معها عند استهداف المتطرفين في اليمن. تجازف واشنطن أحيانا بإقحام نفسها في صراعات داخلية وتصبح مُحتقرة على نحو متزايد في أفقر بلد في الوطن العربي.
المتشددون هنا لديهم باع طويل من الأساليب والأحوال المتقلبة. عندما تم الاحتياج إليهم تم إجبارهم للانضمام إلى الخدمة العسكرية خلال فترة حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح وبعدها تم اعتقالهم وإيداعهم السجن عندما تغيرت الرياح السياسية. بعدها تم تحرير عدد كبير منهم من السجون فجأة وأصبحوا يسرحون ويمرحون في المناطق القبلية. يقول مسئولون في الأمن إن ذلك العهد قد ولى وانتهى وإنهم الآن يصعدون من الهجمات العسكرية لدحر المتطرفين، الذين يأتون من ليبيا والصومال ودول أخرى، والقتلة الذين يستخدمون الدراجات النارية لقتل مسئولي المخابرات.
وفي نفس الوقت كثفت إدارة أوباما الضربات الجوية ضد فرع القاعدة في اليمن الذي خطط في 2009 و2010 لتفجير طائرات أمريكية. أسفر هجوم 2011 بطائرة بلا طيار عن مقتل أنور العولقي، رجل الدين المتطرف الأمريكي المولد ومجند المتشددين. وبعد أسابيع ،قتلت ضربة جوية أمريكية نجله ذو الـ16 ربيعا، الذي يقول أقاربه ورجال قبليون أن لا علاقة له بالإرهاب.
وحسب الموقع الكتروني لونغ وور جورنال، والذي يتعقب عمليات الطائرات الأمريكية بلا طيار, فإن الولايات المتحدة شنت 57 ضربة جوية في اليمن منذ عام 2002، أسفرت عن مقتل 299 متشددا و82 مدنيا.
وقد ازدادت الضربات الجوية على نحو كبير جدا من أربع ضربات في عام 2010 إلى 40 ضربة حتى الآن في هذا العام.
يقول صاحب بقالة في منطقة السرين رضوان الدحروج: "لماذا يتدخل هؤلاء الأمريكيين في اليمن؟ لماذا يقتلون شعبنا؟ إذا كان لديهم تهم ضد أي شخص لماذا لا يقبضون عليه ويقدمونه للعدالة؟"
قبل أربع سنوات تم الحكم على عدنان القاضي بالسجن لاتهامه بالتأمر في هجوم على السفارة الأمريكية في صنعاء والتي راح ضحيته 16 شخصا على الأقل، لا يوجد بين القتلى أمريكيين. وبمساعدة رجال عشائر ومسئولين في الجيش اليمني، تم إطلاق سراحه بعد فترة قليلة من الحكم عليه واستأنف حياته القديمة: متشدد وضابط في الفرقة الأولى مدرع بقيادة اللواء علي محسن الأحمر، وهو القائد العسكري الذي وصفته برقية دبلوماسية أمريكية في عام 2005 بأنه "يتعامل مع الإرهابيين والمتطرفين".
عندما اجتاحت البلاد احتجاجات ضد صالح في عام 2011، تمردت الفرقة واشتبكت مع القبائل ووحدات الأمن المنافسة للسيطرة على صنعاء.
ما بدأ كثورة سلمية ضد صالح دفعت بالبلاد نحو اضطرابات أشد مع محاربة تمرد في الشمال وحركة انفصالية في الجنوب. القاعدة في شبه الجزيرة العربية وأنصار الشريعة التابع لها استغلوا تلك الاضطرابات وسيطروا على عدة مناطق في الجنوب. ذلك منح عدنان القاضي فرصة لتوسيع طموحاته المتطرفة حتى لو تقمص احد مظاهره المتعددة، فقام بتملق الحكومة بهدف التوسط لعقد هدنة بين المسئولين اليمنيين وفصيل القاعدة.
منحت هذا العام الولايات المتحدة اليمن 337 مليون دولار كمساعدات عسكرية وأمنية. لم تؤكد الولايات المتحدة على أن طائرة بلا طيار قد استهدفت عدنان القاضي. وقال مسئولون يمنيون وقروين من السرين، الذين سمعوا الطائرة وهي تحلق تلك الليلة، إن غارة جوية أمريكية قتلت عدنان في مكان غير بعيد عن منزله في بيت الأحمر.
وبالرغم من أن عدنان كان ناشطا في التجنيد لمصلحة القاعدة وكثيرا ما كان يتهم واشنطن في خطبه بأنها تريد تقسم اليمن وخلق الفوضى فيها، فليس واضحا ما هو الخطر الذي كان يمثله عدنان تجاه الولايات المتحدة.
مع ذلك فليس لدى واشنطن قواعد محددة بشأن معايير استهداف الإرهابيين بهجمات الطائرات بلا طيار. لكن الرئيس أوباما قال إن أي متطرف يمثل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة أو حلفائها، كما يفعل فرع القاعدة في اليمن, سيكون من المستحيل اعتقاله.
وقال مسئول كبير سابق في المخابرات الأمريكية إن اعتقال عدنان القاضي بتهمة هجوم عام 2008 على السفارة الأمريكية لم يكن كافيا لوضعه على قائمة الاغتيال. وقد قال مستشار البيت الابيض لشؤون مكافحة الارهاب جون برينان إن المتشددين الذين يقاتلون فقط لإسقاط الحكومة في صنعاء ليسوا مستهدفين. لكن الفرقة الأولى مدرع التي كان عدنان القاضي ينتسب إليها كانت بالتأكيد تمثل تهديدا للحكومة اليمنية والاستقرار في البلاد.
وقال مسئولون يمنيون إن الرئيس اليمني الجديد عبد ربه منصور هادي وافق على شن الضربة الجوية ضد عدنان القاضي بعد تأكيدات على أن أي محاولة لاعتقاله في المنطقة التي يقطنها قد تؤدي إلى سقوط العديد من القتلى. وقال المسئولون إنهم لم يكونوا على علم بأي معلومات إستخبارية تربط عدنان القاضي بأي مؤامرة فاعلة.
وقال المسئول الأمريكي السابق أن الخطر من برنامج الطائرات بلا طيار هو احتمال اعتقاد اليمنيين بأن المخابرات والضربات الجوية الأمريكية تسعى لإضعاف العشائر المتنافسة والأطراف السياسية. على سبيل المثال، شعر أوباما وكبار جنرالاته في عام 2010 بارتكاب خطأ عندما وقع أوباما موافقا على شن ضربة جوية ضد أحد كبار عناصر القاعدة مما أدى إلى مقتل ستة أشخاص من بينهم نائب محافظ محافظة مأرب. وقال مسئول أمريكي كبير سابق إن الضربة الجوية كانت مستندة كليا على معلومات استخباراتية قدمها اليمنيون الذين لم يبلغوا الولايات المتحدة أن نائب المحافظ سيكون في نفس مكان الهجوم.
يقول مسئولون أمريكيون ويمنيون أنه منذ أن تولى هادي السلطة في فبراير الماضي فإن التعاون والثقة بين الحكومة اليمنية والولايات المتحدة قد تحسنت إلى حد كبير.
وهناك العديد من الأهداف المحتملة للطائرات بلا طيار. منذ عقود عدة ، كان الشباب يغادرون اليمن ليصبحوا جنود مشاه وصانعي قنابل للمتشددين في أفغانستان والجزائر وباكستان والعراق وليبيا. البعض منهم عادوا إلى وطنهم.
أحدهم هو رشاد محمد سعيد الذي غادر اليمن وهو في سن الـ15 وأصبح أحد مستشاري أسامة بن لادن، حيث قاتل إلى جانبه في أفغانستان. وعاد إلى اليمن في عام 2000. وقال في مقابلة صحفية إنه قد وضع أسلحته جانبا ليبدأ نشاطه في حزب اتحاد النهضة، الذي يشكله متشددون سابقون ويسعون للفوز بمقاعد في البرلمان.
وعلى غرار متشددين في بلدان أخرى، فإن سعيد يكافح للتوفيق بين فلسفة العنف طويلة الأمد والمنهج السياسي الأكثر سلما ونجاحا مثلما هو الحال في تونس ومصر على الأقل، والذي ظهر أبان حركات الاحتجاج التي أشعلت ما يسمى بالربيع العربي. لكن سعيد يشعر بالقلق مما يصفه الكثيرون هنا الأشياء الطائرة ذات الأزيز المخفية في السماء.
وأضاف سعيد : "لقد انخرطنا في السياسة. فهل تعتقد أن الولايات المتحدة ستتركنا وشأننا لاختيار قادتنا وطريقة حياتنا؟ حزبنا مقرب من القاعدة ونحن نحاول إقناعهم بالتخلي عن أسلحتهم. اليمن ليست بحاجة لهذا العنف الآن. وما نحن بحاجة إليه هو حمايتنا من الطائرات بلا طيار. أنا نفسي قد أكون هدفا لها".
الرئيس هادي، الذي تولى السلطة بعدما تنحى صالح تحت ضغط دولي، أشاد بهجمات الطائرات بلا طيار كأداة رئيسية لدحر الإرهابيين. وهذه العمليات قد أثارت الأطراف القبلية الذين يرون إن مشاكلهم الداخلية يتم استغلالها من قبل المصالح الأمريكية.
يقول الخبير في شؤون المتشددين الإسلاميين أحمد الزرقة: "الطائرات بلا طيار لم تقتل القادة الحقيقيين لتنظيم القاعدة، بل زادت من الكراهية تجاه الولايات المتحدة وتسببت في انضمام الشباب إلى القاعدة للانتقام. الرئيس هادي يسيء وينتهك سيادة اليمن بتعاونه مع الأمريكيين".
وقال الشيخ عبد ربه القاضي، عضو البرلمان ولا تربطه صلة قرابة بعدنان القاضي: "الهجمات الأمريكية تمنح القاعدة الحصانة. والطائرات بلا طيار تقتل الأبرياء. القاعدة تقول لليمنيين إنها تقاتل هؤلاء الكفرة ويقولون لشعبنا إن دولتنا تساعد الكفار".
واضعا مسدسا حول خصره، شغل الشيخ عبد ربه القاضي تلفونه المحمول وقرأ رسالة نصية أرسلتها مؤخرا القاعدة في شبة الجزيرة العربية إلى نواب البرلمان، (أنتم أعضاء البرلمان الكافر.... سيوف العدالة ستقطع رؤوسكم جميعا).
وأضاف الشيخ عبد ربه: "نريد اجتثاث تنظيم القاعدة. لكن علينا أن نفعل ذلك بأنفسنا".
لكن ذلك لم يحدث، ولا يبدو أنه سيحدث.
كما يواجه المتشددون مشاكل من صناعة أيديهم. في ربيع 2011، استغلت القاعدة وأنصار الشريعة الاضطرابات السياسية في اليمن، وسيطروا بشكل مؤقت على مدن وقرى في محافظة أبين جنوبي البلاد. وقام المتشددون باغتيال مسئولين أمنيين وفرضوا قانون إسلامي شبيه بحكم طالبان. ووفرت القاعدة خدمات مؤقتة مثل الكهرباء، لكن نظام العدالة الذي يرجع للقرون الوسطى من خلال قطع الأيدي والجلد أفقد التنظيم بسرعة مساندة القبائل.
وقال أركان حرب قوات الأمن المركزي العميد يحيى صالح: "كانت أبين حقا مقبرة لتنظيم القاعدة. لقد رأى الناس المتشددين على حقيقتهم. فالإعدام وقطع الأيدي ليست هي العدالة".
وأضاف, "إلى الآن لم تنتهي القاعدة والحرب مستمرة. ليس لديهم قيادة مركزية. إذا توفرت البيئة الخصبة فبإمكانهم النجاح. عقيدتهم تجعلهم أقوياء وإذا قتل قائدا لهم, يصعد آخر."